الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
285
نفحات القرآن
21 - الهمز واللمز والغيبة وهذه أيضاً من الذنوب الكبيرة لأنّ فيها استهانة بكرامة وشخصية الناس المؤمنين ، والكرامة والشخصية من الاعتبارات التي توازي في الأهميّة دم الإنسان بل وتفوقه أحياناً ، ولذلك توعد القرآن الكريم بالويل والعذاب لكل من يجترىء على هذا الفعل ، فقال : « وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحسَبُ انَّ مَالَهُ اخلَدَهُ * كَلَّا لَيُنبَذَنَّ فِى الحُطَمَةِ » . ( سورة الهمزة / 1 - 4 ) هنالك اختلاف في آراء المفّسرين بشأن معاني الهمزة واللمزة ، فهاتان الكلمتان وردتا على صيغة المبالغة من المصدرين « الهمز » « واللمز » قال البعض : كلاهما بمعنى واحد ، وهو البحث عن عيوب الآخرين واغتيابهم ، بينما قال آخرون ، إنّ الأولى تعني اقتفاء معايب الآخرين والتشهير بهم علناً والثانية بمعنى اقتفائها والتشهير بها خفية وعن طريق الإشارة بالعين والحاجب وأمثال ذلك ، وقال آخرون : إنّ الأولى تعني الغيبة ، والثانية تعني اظهار العيوب وجهاً لوجه . ويبدو في جميع الأحوال أنّ كل من يحاول الاستهزاء بالآخرين أو يتعمّد الإساءة إليهم باللسان وحركات العين والحاجب في حال غيابه أو وجهاً لوجه ، ويحاول تقصّي عيوبهم أو يكشف العيوب المستورة وافشائها لغرض الإساءة إلى كرامتهم فهو مشمول بالآية المذكورة ، فكما أنّه يحطم شخصية وكرامة الآخرين فسيكون كذلك عرضة - في يوم القيامة - لنار جهنّم « الحطمة » لكي تحطّم كل وجوده . إنّ الأشخاص من أمثال هؤلاء هم أكثر خلق اللَّه شراً كما جاء ذلك في حديث منقول عن سيد الرسل صلى الله عليه وآله أنّه قال : « ألا أخبركم بشر الناس ؟ » قالوا بلى يا رسول اللَّه ، قال : « المشّاؤون بالنميمة ، المفرّقون بين الأحبّة ، الباغون للبرئاء المعايب » « 1 » .
--> ( 1 ) أصول الكافي ، ج 2 ، باب النميمة ، ح 1 ؛ تفسير القرطبي ج 2 ، ص 71 - 72 .